ابن باجة
34
تعاليق ابن باجة على منطق الفارابي
أراد أن ينفي الذياع عن الأخذ بمدح ، واللوازم وشبهها بحسب الأمر في نفسه . ولو نفى الاستعمال فيما عنته الجمهور لكان قوله كاذبا ، من حيث نجد من الجمهور من يستعملها حينا ما ، لكنّها ليست ذائعة . فالاستعمال إذن عندهم يحصل بواحدة ، والشهرة لا تحصل إلّا بكثير . 7 . وقوله : « بتعلّقها بها بوجه آخر » ، يعني بوجه آخر غير المشابهة ، مثل تعلّق السؤال بالمسؤول إذا لم يكن له اسم ، كتسميتنا الأشياء المسؤول عنها بحرف كيف وأشباه ذلك . وقد يكون للمتعلّقات وجوه أخر غير هذه . الألفاظ الجمهوريّة مشهورة المعاني والألفاظ ، فلا غلط فيها بوجه ، والألفاظ المخترعة غير مشهورة المعاني والألفاظ ، فمتى استعملت لم يغلط فيها أيضا من جهة اللفظ ، وهي مع هذا قليلة . والألفاظ المنقولة مشهورة اللفظ مجهولة المعنى ، للمقصود منها معان أخر ، فقد يمكن أن يؤخذ المعروف ويترك المقصود ، فلذلك تكون مغلّطة متى لم يتحفّظ فيها ، فيترك المعنى المعروف بذلك اللفظ ويؤخذ المعنى المقصود . ولهذا السبب حذّر ووصّى بالتحرّز من استعمال هذا الصنف من الألفاظ في هذا الفصل دون سائرها . الثاني قوله : « الأشياء التي تعلم » ، يعني الأشياء يصدّق بها جملة ، وهي القضايا على الإطلاق . ولفظة العلم تقال باشتراك على التصديق والتصوّر ، فاستعمله هنا على التصديق ولم يعرض للتصوّر في هذا الفصل بتّة ، لأنّه إنّما قصد أن يتكلّم في المقدّمات المصدّق بها أنفسها ، وأنّه إليها ينحلّ ما أفاد التصديق في كلّ مصدّق به . والمتصوّرات ، من س 9 أحيث هي متصوّرات ، فليس لها مقدّمات ولا هي مصدّق / بها ، إلّا أن تكوّن مثلا أنّ الشيء هو أو شبهه . ثمّ لفظة العلم تقال أيضا على الاعتقاد جملة ، كما يعتقد بخبر ما دون التصديق على الإطلاق . وعلى هذا المعنى استعملها في أوّل هذا الفصل . وتقال على ما يعتقد ببصيرة نفس ، وعلى هذا المعنى استعملها بعد ذلك عندما قال : « تعلم أو توجد » ، فجعل الروية والاستدلال والاستنباط كالأنواع للفكر ، والفكر تطرّق الذهن لمعرفة مجهول من معلوم .